جلال الدين السيوطي

477

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

أتحسب عند الموت أنّك تعدم * وذاك الوجود الحقّ لو كنت تفهم جهلت فخلت الجوهر الفرد ما له * وجود ولا موجود إلا التجسّم حياتك نوم والردى لك يقظة * تأمّل رويدك إنّما أنت تحلم ونفسك فاعلم حيّة أبدية * وإن بان عنها شخصها المتجسّم وما الموت إلا أن تفارق جسمها * إلى أمد من عمرها يتصرّم وتجلي غطاء عنك توقن بعده * بما لم تكن من قبله تتوهّم ولله في تركيبها عند بدئها * وعودتها للجسم سرّ مكتّم وفي الوعد والإيعاد والنشر والبلى * له نبأ جهل ( 1 ) خطب معظّم يحار ذوو الألباب فيه فبعضهم * يعارض من جهل وبعض يسلّم وأنّى لجزئيّ بجزئيّ عقله * ترنّم بالكليّة مترنّم أساويت بين النفس والجسم ضلّة * وكيف يساوي ذا الفصاحة أعجم وهل كان هذا الجسم يعقل ما حوى * من العلم لولا النفس أو تتكلّم بها حيي الجسم الذي كان ميّتا * وأضحى يروّي في الأمور ويجزم فإن قلت لا وجدان للنفس دونه * نقضت ولم تدر الذي أنت تعزم فإن قلت إنّ الجسم حيّ لذاته * فقولك أدهى في المحال وأعظم لأنّ حياة الجسم تعدم مرّة * ولو أنّها للذات لم تك تعدم لذلك لم يعدم من النفس فاغتدت * مؤبدة تبقى ولا تتحرّم فإن قلت نفس الجسم فاعلم من أوجه * كما قال جالينوس فالزور أحسم لأنا نرى سوء المجاز مغيّرا لجسم * الفناء والمرء إذ ذاك أفهم وتبصر جسم المرء يضوي وعقله * يزيد ويضوي العقل والجسم يضخم وقد جعلوا أقوى الحجاج مقالة * توهّمها ذو غفلة متوهم